الأحد. أغسطس 1st, 2021

عماد عودات يكتب: علموا أولادكم السباحة

#المرصد_التعليمي https://mounwat.com/

قبل أيام كنت على موعد مع شركة “روجرز” لتركيب خدمة الانترنت السريع “الفايبر” في بيتي الجديد. وهي الشركة الوحيدة بالمنطقة التي تقدم الخدمة عادة خلال ساعتين فقط ولكن يجب أن يزورني فني لتفعيل الخدمة. علما بأن خطوط انترنت “الفايبر” هي الوحيدة المتوفرة في بيتي ولا يوجد خطوط “كيبل” ولا حتى “دي اس ال” في منطقتي. وقد قادني بحثي في ذلك الوقت الى أن أول موعد لتفعيل الخدمة مع أي شركة أخرى قد يستغرق شهرين أو أكثر وذلك لأن قوانين المقاطعة تمنع دخول موظفي الشركات الى المنازل بسبب الكورونا. المهم عندما جاء وقت تركيب الخدمة وبعد أن وصل فني الانترنت الى أمام بيتي فاجأني باتصال هاتفي. وقد رديت على المكالمة الهاتفية فرحا واذا به يخبرني معتذرا بأنه لن يستطيع الدخول الى المنزل وبأنه يجب علي الاتصال مع الشركة لأخذ موعد في يوم آخر. الرجل تذكر فجأة وهو عند باب البيت موضوع الكورونا وخاف أن يدخل المنزل على الرغم من أن معه اذن مني ومن الشركة التي يعمل لها بالدخول للمنزل وعلما أنهم امضوا معي ما يقارب النصف ساعة وقت التقدم للخدمة للاجابة على اسأله تخص الكورونا وكل شئ كان “تمام” وعليه تم الاتفاق على موعد تركيب وتفعيل الخدمة. ولكن الخوف تملك فني الانترنت وعاد مسرعا من حيث أتى وتركني محبطا و بخيبة أمل كبيرة من هذا التصرف ومن سوء تعامل هذه الشركة. ولاحقا باءت جميع محاولاتي بالفشل من إقناع موظفي الشركة بإرجاع الفني لتفعيل الخدمة وطلبوا مني الانتظار حتى تتغير قوانين المقاطعة وتسمح بإدخال موظفيها للمنزل لتفعيل الخدمة والذي قد يستغرق شهورا ولا يعرف اصلا متى سوف تسمح قوانين المقاطعة بدخول الموظفين للمنازل. ولكن لم يصيبني اليأس وقررت أن أواصل البحث عن شركة أخرى مزودة لخدمة الإنترنت. وفعلا توصلت الى شركة أخرى تقدم نفس الخدمة بسعر أقل وسرعة أعلى من ما كنت أنوي الاشتراك به مع شركة “روجرز”. وقد وعدتني موظفة هذه الشركة بتفعيل الخدمة خلال أسبوع فقط. وفعلا جاءني الموظف بالتاريخ والوقت المتفق عليه الى بيتي لابسا كمامتة الزرقاء الجميلة وسلم علي بالكوع مطلقا بعض النكت والضحكات وفعل خدمة الانترنت ولم يستغرق كل ذلك أكثر من خمس دقائق.

عندما حللت ما قامت به شركة “روجرز” معي وبغض النظر عن موضوع حنثهم لوعدهم وموضوع خوف الموظف من دخول المنزل توصلت الى أنه بالظروف العادية فان فني الانترنت بشركة “روجرز” سوف يدخل الى البيت وبأن الشركة سوف تقدم لي كل أشكال العروض لكي اشترك معهم وسوف يسعون ورائي وراح “يدوشوني” بمكالماتهم كي يقدموا لي شتى أصناف الخدمات وباسعار تفضيليه. لأنه بطبيعة الحال لا يوجد شركة تريد أن تخسر الزبائن خاصة أن ما يحكم العلاقة بين الزبون واي شركة هو الأرباح المادية بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى. وقد قامت موظفة شركة “روجرز” بعملها الذي اعتادت عليه قبل أزمة كورونا ولكنها نسيت أنها لا تعمل وحدها حيث يوجد معها جيش كامل من الموظفين لتقديم الخدمة وتفعيلها. وقد صدف أن تذكر أحدهم وهو الفني الذي سوف يفعل لي الخدمه قوانين المقاطعة. وقد تملكه هاجس الخوف من الكورونا لأنه من المتابعين الجيدين لعدادات الكورونا على شاشات الفضائيات ومستمع ممتاز لمحللي أخبار الكورونا ومشترك بخدمات الاخبار العاجلة التي تصله ليلا نهارا عبر هاتفه النقال. ولو لم يكن “كورونا” موجودا ولم توجد قوانين تمنعه من دخول المنزل فأنه سوف لن يتوانى ثانية عن سماع كلام مرؤسيه بالشركة وسوف ينصاع لأوامرهم بدخول منزلي لتفعيل الخدمة. فلكي نفهم حقيقة الأمور يجب علينا أن نردها لطبيعتها وأصلها مجردة من كل الشوائب وما قد يكون طرأ عليها عبر مرور الوقت وتغير الاحوال.

برأيي فإن أفضل مكان ممكن أن يساعدك لاطلاق خيالك بالتمعن بحقيقة الأشياء المجردة هو الطبيعة بجميع مفرداتها ولا يوجد أفضل من البحر في ذلك. فلن تجد في البحر تشوهات بشرية مثل ناطحات السحاب ولن تجد تعديات بشرية كثيرة كما يوجد في اليابسة. ولن تجد سوى أسماكا تغوص في أعماق المياه ولن تجد سوى شعابا مرجانية قمة بالجمال والروعة ولن تجد سوى وديانا بحرية وكائنات مجهرية وغير مجهرية بأصناف لا تعد ولا تحصى. ولن تجد الا أمواجا هادئة تمنحك راحة نفسية منقطعة النظير وأمواجا هائجة تحرك كل ما في داخلك من مشاعر. ولن تجد على سطح البحر أي ألوان سوى انعكاس زرقة السماء. وعندما تجرد الماء من كل التشوهات لن تجد إلا شيئا لا يستطيع العقل البشري أن يصفه فهو بدون لون. والماء هو المكون الاكبر لاي كائن حي. فثلاث أرباع الكرة الارضية هي عبارة عن مياه. وثلاث أرباع الجسم البشري ايضا مياه. وعندما يكون الجنين في بطن أمه فهو يسبح بالمياه تماما. وعندما يولد فأن أول شئ يلمس جسمه هو المياه وعندما يموت فإنه يغسل بالمياه. وهو يخرج باليوم الواحد كميات كبيرة من المياه. ولا يستطيع العيش أبدا بدون شرب المياه بطريقة او بأخرى. وأغلب دول العالم تقريبا تم اكتشافها عن طريق ركوب المياه. والحروب عبر فترات التاريخ بين البشر والدول هو صراع قائم بالاساس للاستحواذ على المياه.

إن تركيب المياه الكيمائي لا يحوي سوى عنصرين فقط. فهو بسيط جدا لا يوجد به تشوهات وتعقيدات وتركيبات والوان. الماء بسيط والجسم البشري خلق في بيئة بسيطة جدا. ولفهم الأمور لا بد من رد الأمر الى بسيطته وبساطته. وعندما تجرد أغلب أمورك المعيشية فسوف تتوصل لحقائق مجردة لاي شئ وقد تستطيع تفسير أغلب ما يدور حولك. قد تساعدك بالتعايش مع الاخر بسلام. فلكي تفهم طبيعة العلاقة بين أي شخص و مع أي فرد من أفراد أسرته مثلا يجب عليك أن تعود لسنوات التنشئة وطبيعة العلاقات التي كانت بينهم في ذلك الوقت.

فلكي تفهم زوجتك مثلا ولحل أي مشاكل قد تكون حدثت فعليك فورا أن تعود لبداية العلاقة بينك وبين زوجتك أيام الخطوبة – بعيدا عن الاضافات التي حدثت لاحقا في حياتكم مثل وجود الاطفال -عندما كانت الخطيبة في ذلك الوقت تعيش في بيت أهلها وتتعرف على مدى ارتباطها بأمها مثلا وماذا كانت هواياتها وطبيعة أصحابها. ولحل اي مشكلة عائلية يفضل تصفية الخلافات بعيدا عن وجود الاطفال وتدخلات الأهل والمحيطين وتجريد العلاقة من أي أمور قد طرأت عبر مراحل الزواج المختلفة.

وعندما تريد أن تتعرف على شخصية مديرك بالعمل عليك بالتفتيش عن أي أمور قد تكون أثرت عليه بالماضي وتعكس على قراراته وتصرفاته مع الموظفين. ولكي تعرف لماذا يتصرف مدير شركة مع موظفيه بطريقة قاسية مثلا ارجع لوضعه في اسرته وظروف عائلته.

ولكي تعرف لماذا يتعامل مدرس مع طلابه بطريقة حسنة أو سيئة ارجع لماضيه في طفولته وفي مدرسته وجامعته وتعرف على طبيعة اصدقاءه. وبنفس المنظار لو أردت معرفة لماذا يتعامل طالب ما بطريقة سيئة مع مدرسه ومديره ومدرسته فارجع الى العلاقه في البيت الذي ربي و نشئ به وحاول أن تفهم طريقة تربيته في صغره وعلى ماذا ربي هناك وتعرف على طبيعة العلاقة بينه وبين والديه واخوانه واخواته وجيرانه واصدقاءه.

ولكي تتعرف على سياسة أي دولة ولماذا تتعامل بطريقة ما مع مواطنيها و مع باقي الدول فعليك بالعودة لتاريخها والتعمق بطبيعة العلاقة في الماضي. لان الحاضر ما هو الا انعكاس الماضي قطعا.

فعندما تحكم على أي شئ جرده من الاضافات ورده لأصله فسوف تجد جوابا لأغلب استفساراتك. وعندما تريد معرفة طبيعة العلاقة بين اي اثنين فعليك بتجريد العلاقة بالضبط كالبحر المجرد من الاضافات والتشوهات. ويجب عليك رد الأمور لطبيعتها.

في الماضي كنت لا أفهم أهمية الفن التجريدي ولماذا كل هذا الاهتمام بهذا الفن الذي تبدو ابداعات عظمائه كأنها “خربشات جاج” بدون معنى أو هدف. ولكن لو تعمقت بالأمر وتفكرت به بنفس فلسفه البحر فإنك سوف تتوصل لحقيقة أهمية التجريد في حياتنا وسوف تتيقن عظمة الدين الذي أمرنا بأن نعلم أطفالنا السباحة.

ملاحظة) وانت رايح على محل الملابس الرياضية، لا تنسىاش تلبس “خرقة قماش” من دولابك القديم لكي يسمحوا لك بالدخول للمحل ولكي لا يدفعوك غرامات، فأنت بحاجة للنقود لشراء ملابس سباحة لأطفالك.

(للحديث بقية)

#اقتراب_نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!